وعد تحت المطر (الجزء الأول)
كانت السماء في تلك الليلة تبكي…
مطرٌ غزير يضرب شوارع القرية الصغيرة، كأنه يحاول غسل شيءٍ لا يُغسل… أو إخفاء وجعٍ لا يُخفى.
في طرف القرية، كانت تقف ليلى تحت ذلك المطر، بلا مظلة… بلا خوف… بلا إحساس بالبرد.
عيناها فقط… كانتا تحترقان.
أمامها مباشرة… باب حديدي ضخم…
باب السجن.
كل ليلة… نفس المشهد.
نفس الوقفة.
نفس الانتظار.
حارس السجن اعتاد رؤيتها، حتى أنه لم يعد يسألها لماذا تأتي.
فقط نظر إليها هذه المرة وقال بسخرية خفيفة:
"لسه مستنياه؟"
رفعت ليلى عينيها نحوه… نظرة هادئة، لكنها مليئة بشيء مرعب…
شيء اسمه "الإصرار".
قالت بصوت خافت:
"مش هستناه… أنا بالفعل معاه."
ضحك الحارس وهز رأسه…
أما هي، فعادت تنظر إلى الباب… وكأنها ترى ما خلفه.
قبل سنة…
كانت ليلى فتاة عادية جدًا.
تستيقظ مبكرًا، تساعد أمها، تضحك مع الجيران، وتحلم…
أحلام بسيطة… بيت صغير… رجل تحبه… وأطفال يملؤون المكان ضحكًا.
وكان ذلك الرجل… سالم.
سالم لم يكن غنيًا، ولا صاحب منصب…
لكنه كان يملك شيئًا نادرًا جدًا…
قلبًا صادقًا.
كان يعمل طوال اليوم، فقط ليجمع مالًا بسيطًا، يكفي لبناء حياة كريمة مع ليلى.
وفي كل مرة يقابلها، كان يقول لها نفس الجملة:
"استحمّليني شوية كمان… أوعدك هخليكي تعيشي ملكة."
فتضحك ليلى وترد:
"أنا أصلاً عايشة ملكة… طول ما أنت معايا."
لكن في يومٍ واحد…
انهار كل شيء.
اتهم سالم بسرقة مبلغ كبير من مكان عمله.
حاول يشرح… يحلف… يبرّر… لكن لا أحد استمع.
وفي أقل من أسبوع…
كان داخل السجن.
يومها…
ركضت ليلى خلف سيارة الشرطة، تصرخ باسمه:
"سالم! قولهم إنك مظلوم! قولهم!"
![]() |
نظر إليها من خلف القضبان… وعيناه مليئتان بالعجز:
"استنيني يا ليلى… أوعي تسيبيني…"
هزّت رأسها بعنف:
"هستناك… لو العمر كله!"
ومن يومها…
لم تتأخر يومًا.
كل ليلة، تأتي إلى السجن.
وكل يوم، تكتب له رسالة.
كانت تكتب له كل شيء…
كيف اشتاقت له…
كيف جلست في مكانهم المفضل وحدها…
كيف بكت حين سمعت أغنيتهم…
كيف رفضت كل من طلبها للزواج…
كانت تكتب وكأنها تحكي له وجهًا لوجه.
لكن… الرسائل لم تصل أبدًا.
داخل السجن…
كان سالم يجلس وحيدًا، ظهره للحائط، وعيناه في الفراغ.
لم يكن يعرف شيئًا عن ليلى…
هل ما زالت تنتظره؟
هل نسيت؟
هل أجبرت على الزواج؟
كل يوم كان يسأل الحارس:
"في رسالة؟"
والإجابة دائمًا:
"لأ."
مرت الشهور…
ثم سنة.
ليلى بدأت تضعف.
جسدها نحيل… وجهها شاحب… لكن عينيها؟
ما زالت متمسكة بالأمل.
في إحدى الليالي…
لم تستطع الوقوف.
سقطت أمام باب السجن.
أسرع الناس حولها، وأخذوها إلى البيت.
الطبيب قال لأمها بقلق:
"البنت مش مريضة… البنت مكسورة."
في اليوم التالي…
دخلت أمها عليها، وجلست بجانبها، وقالت بصوت حزين:
"كفاية يا بنتي… كفاية وجع…"
نظرت ليلى للسقف، ودمعة نزلت ببطء:
"أنا لو سبتُه… يبقى أنا كمان بموت."
لكن الحياة لا تنتظر أحدًا…
بدأت الضغوط تزيد.
الخُطّاب يأتون…
الكلام يكبر…
والناس لا ترحم.
"هتفضل كده لحد إمتى؟"
"هو حتى فاكرِك؟"
"يمكن اتجوز جوه!"
كل كلمة كانت طعنة…
وفي ليلة هادئة…
دخل والدها الغرفة.
جلس أمامها، ولم يتكلم طويلًا…
فقط قال جملة واحدة:
"أنا خايف أموت وأسيبك لوحدك…"
الجملة دي… كسرتها.
مرت أيام…
وفي صباح صامت…
وافقت.
وافقت تتجوز.
لكن وهي بتقول "موافقة"…
كان في حاجة جواها بتصرخ:
"كذابة…"
قبل الفرح بأيام…
وقفت ليلى للمرة الأخيرة أمام السجن.
لكن هذه المرة… لم تبكِ.
فقط وضعت يدها على الباب… وهمست:
"سامحني…"



